اسماعيل بن محمد القونوي
387
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
قوله عوان بعد قوله لا فارِضٌ وَلا بِكْرٌ نفي أن يكون عجلا أو جنينا كذا قيل والأولى أن يقال إنه للتأكيد دفعا لتوهم ارتفاع النقيضين لأن البقرة لا تخلو عنهما بناء على أن البكر يصدق على غير المسنة ولو عجلا وأما الجنين فلا تتناوله البقرة فلا معنى للاحتراز عنه فلما قيل عوان بين ذلك علم أن المراد بالبكر المنفي نحو العجل الذي لا يصلح للزراعة وحمل الأشياء عليه وكذا المسنة أريد بها ما لا يصلح لذلك صلاحا تاما والمعنى واللّه أعلم أنها بقرة صالحة لما خلقت له من الحراثة والولادة وحمل الأثقال وهذا هو المراد مما ذكر بطريق الكتابة والصلاحية لا تقتضي الوقوع فلا ينافيه ما سيجيء من قوله بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ [ البقرة : 71 ] الآية . قوله : ( وعود هذه الكنايات ) أي الضمائر في الأجوبة والسؤال بقولهم ما هي وما قوله : وعود هذه الكنايات الخ تقرير كلامه هذا مبني على اختلاف العلماء في أن البقرة المأمور بذبحها هي المعينة الموصوفة فمن قال إن المراد بقرة ما أجاب عنه بأن الكنايات ترجع إلى البقرة المأمور بذبحها لا في إرادة اللّه تعالى بل على ما ظنوها معينة فلا جرم عينت تشديدا عليهم وحجة الآخرين أن بقرة في قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً [ البقرة : 67 ] نكرة في سياق الاثبات فلا تفيد الافراد من شق البقر أي من إفرادها غير معين وأيضا لو كان المراد بقرة معينة لاستحقوا المدح باستفساراتهم لكنهم عبروا بذلك بقوله فَافْعَلُوا ما تُؤْمَرُونَ [ البقرة : 68 ] وقوله وَما كادُوا يَفْعَلُونَ [ البقرة : 71 ] وأيضا الوقت الذي أمروا بذبحها فيه كانوا محتاجين إلى ذبحها ولو كان المأمور بذبحها بقرة معينة ولم تتبين في ذلك الوقت كان تأخيرا للبيان عن وجه الحاجة وأنه غير جائز والجائز تأخيره إلى وقت الحاجة لا عنه ومما يعضده ما روي عن ابن عباس رضي اللّه عنهما أنه قال لو ذبحوا أي بقرة أرادوا أجزأت عنهم لكنهم شددوا على أنفسهم فشدد اللّه عليهم فثبت بهذه الدلائل الواضحة أن البقرة المأمور بذبحها بقرة مبهمة فبنى عليه صاحب الكشاف سؤاله حيث قال فإن قلت كانت البقرة التي تناولها الأمر بقرة من شق البقر غير مخصوصة ثم انقلبت مخصوصة بلون وصفات فذبحوا المخصوصة فما فعل الأمر الأول قلت رجع مخصوصا لانتقال الحكم إلى البقرة المخصوصة والنسخ قبل الفعل جائز على أن الخطاب كان لإبهامه متناولا لهذه البقرة الموصوفة كما تناول غيرها لو وقع الذبح عليها بحكم الخطاب قبل التخصيص لكان امتثالا له فكذلك إذا وقع عليها بعد التخصيص فحاصل السؤال أن الأمر كان يذبح بقرة ما حتى أن أي بقرة فرضت لو ذبحوها كفتهم ثم عينت فلم يكن الأمر بذبح بقرة فما بال ذلك ومحصول الجواب أنه كان منسوخا لأنه لما أمرهم بذبح بقرة ما فقد خيرهم بين افراد البقر وحين خصصها بتلك الصفات زال حكم التخيير الثابت بالنص ولا يغني بالنسخ إلا رفع الحكم الشرعي على أنه يمكن أن يقال ليس ذلك ينسخ لأن البقرة المطلقة متناولة للبقرة المخصوصة وذبح البقرة المخصوصة ذبح للبقرة مطلقا فهو امتثال للأمر الأول فلا يكون نسخا والمراد بالتخصيص في قوله بحكم الخطاب قبل التخصيص التخصيص النحوي لا الأصولي لأن بقرة ليست من الصيغ العامة قال الفاضل أكمل الدين سؤال الزمخشري مبني على أن المأمور به أولا ذبح بقرة غير معينة ثم صار بقرة معينة فيرد عليه أن يقال فما فعل الأمر الأول وهو مذهب طائفة من العلماء وعليه عامة أهل التفسير ويلزمهم القول بالنسخ على ما ذكره في الجواب والقائلون بهذا هم الذين أنكروا جواز